ابن ميثم البحراني
310
شرح نهج البلاغة
يغلّ - بالكسر - ومن الخيانة المطلقة : أغلّ يغلّ . واعلم أنّه عليه السّلام نبّه في هذا الفصل على أنّ قتاله لهذه الفرق كان بأمر اللَّه على لسان رسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وذلك الأمر إمّا من القرآن الكريم من قوله تعالى « وإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الأُخْرى » ( 1 ) أو من السنّة بأمر خاصّ وهو من أوامر اللَّه أيضا . وقد ثبت عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : سيقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين . فكان الناكثون أصحاب الجمل لنكثهم بيعته عليه السّلام ، وكان القاسطون أهل الشام ، والمارقون الخوارج بالنهروان والفرق الثلاث يصدق عليهم أنّهم أهل البغي وقاسطون لخروجهم عن سواء العدل إلى طرف الظلم والجور ، وتخصيص كلّ فرقة منهم بما سميّت به عرف شرعيّ . فأمّا وصف الخوارج بالمارقين فمستنده قول الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لذي الثدية : يخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية وقد ذكرناه قبل . والضئضئ : الأصل . وهذا الخبر من أعلام نبوّته صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . ودلّ قوله عليه السّلام : وأمّا القاسطون فقد جاهدت وأمّا المارقة فقد دوّخت . على أنّ هذه الخطبة في آخر خلافته بعد وقايع صفّين والنهروان . وأمّا شيطان الردهة فالأشبه أنّ المراد به ذو الثدية من الخوارج لما ورد الحديث أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ذكره فقال : شيطان الردهة يحتذره رجل من بجيلة . فأمّا كونه شيطانا فباعتبار كونه ضالَّا مضلَّا ، وأمّا نسبته إلى الردهة فيشبه أن يكون لما روى أنّه حين طلبه عليه السّلام في القتلى وجده في حفرة دالية فيها خرير الماء فنسبه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إليها لما كان يعلم من كيفيّة حاله في مقتله . وروى عن يزيد بن رويم قال : قال لي علي عليه السّلام في ذلك اليوم : يقتل اليوم أربعة ألف من الخوارج أحدهم ذو الثدية فلمّا طحن القوم ورام إخراج ذي الثدية فأتعبه أمرني أن أقطع أربعة ألف قصبة وركب بغلة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ثمّ أمرني أن أضع على كلّ رجل منهم قصبة فلم أزل كذلك وهو راكب خلفي والناس حوله حتّى بقيت في يدي واحدة فنظرت إليه وقد أربدّ وجهه وهو يقول واللَّه ما كذبت ولا كذّبت
--> ( 1 ) 49 - 9 .